الشأن الأحوازي

الطائفية والمناطقية والقبلية كأدوات يستخدمها الاحتلال الإيراني لضرب الوحدة الوطنية وإضعاف حركات التحرر الوطني الاحوازي

منذ بدايات الاحتلالات والإمبراطوريات التوسعية، لم تعتمد القوى المحتلة على القوة العسكرية وحدها لإخضاع الشعوب، بل لجأت أيضًا إلى أدوات أكثر خطورة وعمقًا، تقوم على تفكيك المجتمعات من الداخل وضرب وحدتها الوطنية عبر إثارة الطائفية والمناطقية والقبلية وتقسيم الولاءات داخل الشعب الواحد. فحين يفشل الاحتلال في كسر إرادة الشعوب بالسلاح، يحاول إعادة تشكيل وعيها الاجتماعي والسياسي بحيث تتحول الانتماءات الفرعية إلى بديل عن الهوية الوطنية الجامعة.
وفي هذا السياق، استخدم الاحتلال الإيراني، كما استخدمت قوى استعمارية أخرى عبر التاريخ، سياسة “فرّق تسد” لضمان استمرار السيطرة على الشعوب غير الفارسية، ومنع تشكل أي مشروع وطني تحرري موحد قادر على مواجهة الاحتلال وإنهاء هيمنته السياسية والثقافية والأمنية.

إن أخطر ما تواجهه الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا يقتصر على القمع العسكري أو الملاحقات الأمنية، بل يشمل أيضًا محاولات ضرب الهوية الوطنية الجامعة، وتحويل المجتمع إلى جماعات متصارعة على أسس طائفية أو قبلية أو مناطقية، بحيث يصبح الانتماء للطائفة أو القبيلة أو المنطقة أعلى من الانتماء للوطن والقضية الوطنية.
سياسة “فرّق تسد” وتفكيك المجتمعات
تعتمد سياسة “فرّق تسد” على خلق الانقسامات داخل المجتمع الواحد وتعميقها بصورة مستمرة، بهدف إشغال الشعوب بصراعاتها الداخلية بدل توحيد جهودها في مواجهة الاحتلال. ولذلك تعمل القوى المحتلة عادة على:

  • تقسيم الولاءات الوطنية إلى ولاءات فرعية.
  • إضعاف الهوية الوطنية الجامعة.
  • نشر الشكوك والعداء بين أبناء الشعب الواحد.
  • خلق نخب وشخصيات مرتبطة بمصالح الاحتلال.
  • تسهيل الاختراق الأمني والسياسي للحركات الوطنية.
  • نقل الصراع من مواجهة الاحتلال إلى صراع داخلي بين أبناء الوطن الواحد.
    وعندما تنجح هذه السياسات، يتحول الشعب تدريجيًا من “أمة موحدة” إلى جماعات متنافسة ومتصارعة، وهو ما يمنح الاحتلال فرصة طويلة الأمد لإدامة سيطرته.

خطورة تقسيم الولاءات

إن تقسيم الولاءات يُعد من أخطر الأدوات التي تستخدمها قوى الاحتلال، لأنه يستهدف البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع. فعندما يصبح الولاء للطائفة أو القبيلة أو المنطقة مقدمًا على الولاء الوطني، تتراجع فكرة الوطن الجامع، ويصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية والاختراقات الأمنية.

وفي هذه الحالة:

  • تضعف الثقة بين أبناء الشعب الواحد.
  • تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات اجتماعية وهوياتية.
  • يسهل على الاحتلال استخدام بعض الأطراف ضد الأخرى.
  • تستنزف الطاقات الوطنية في نزاعات داخلية.
  • يضعف المشروع التحرري ويفقد قدرته على تمثيل الجميع.

ولهذا السبب، تحرص الاحتلالات دائمًا على تغذية الانقسامات الداخلية، لأنها تدرك أن وحدة الشعوب أخطر عليها من أي مواجهة عسكرية مباشرة.

العراق بعد عام 2003… نموذج واضح لخطورة الانقسامات

تُعد التجربة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 من أبرز الأمثلة الحديثة على خطورة تقسيم الولاءات داخل الشعب الواحد . فبعد إسقاط النظام العراقي و احتلال الدولة العراقية، جرى بناء العملية السياسية على أسس طائفية ومناطقية، وتم تقسيم المجتمع سياسيًا وإعلاميًا بين “سني” و”شيعي ”، بدل ترسيخ الهوية الوطنية العراقية الجامعة على أساس مدني او انتماء وطني جامع و ما نشهده في عراق بعد الاحتلال من تراجع و ضعف و هوان يعود للانقسام الطائفي و قبلي و تضعيف مكانة الوطنية و الوطن .

وقد أدى هذا النهج إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع العراقي، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات هوياتية وطائفية، الأمر الذي ساهم في اندلاع موجات واسعة من العنف والاقتتال الداخلي، وأضعف مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية.

كما أدى تقسيم الولاءات داخل العراق إلى تراجع مفهوم المواطنة الوطنية، وأصبح كثير من العراقيين ينظرون إلى أنفسهم من خلال الانتماء الطائفي أو المناطقي قبل الانتماء الوطني، وهو ما ساهم في إنهاك المجتمع العراقي واستنزاف طاقاته لعقود و هيمنة إيران و مليشياتها الإرهابية على القرار و السيادة العراقية .

وتُظهر التجربة العراقية بوضوح أن الشعوب حين تُدفع نحو الانقسام الداخلي، فإن الاحتلالات والقوى الخارجية تصبح أكثر قدرة على التحكم بمصيرها السياسي والأمني والاقتصادي.

الاحتلال الإيراني واستخدام الانقسامات داخل الشعوب غير الفارسية

اعتمد الاحتلال الإيراني لعقود طويلة على استخدام الانقسامات الداخلية داخل الشعوب غير الفارسية، سواء عبر استغلال بعض البنى القبلية والطائفية والمناطقية، أو عبر دعم شخصيات ومجموعات مرتبطة بالأجهزة الأمنية والمصالح السياسية المرتبطة بطهران، سوى في زمن البهلوي او الخميني و نشاهد كيف اصبح في كلا النظامين عدد كبير من كبار شيوخ العشائر لعبة رخيصة بيد اعداء ابناء جلدتهم و كانوا وسائل لتمرير سياسات الاحتلال الفارسي بسبب منافساتهم الرخيصة و محاولاتهم للتقرب من اجهزة السلطة حتى اصبح البعض يعرف بشيوخ ايران سيل!!

وفي الأحواز، سعى الاحتلال الإيراني بصورة مستمرة إلى ضرب الهوية الوطنية الأحوازية الجامعة، عبر محاولات إعادة تشكيل الولاءات بعيدًا عن الانتماء الوطني التحرري، بهدف منع توحد الشعب الأحوازي في مشروع وطني قادر على مواجهة الاحتلال وإنهائه.

كما حاول الاحتلال الإيراني استخدام بعض الانقسامات الاجتماعية والعشائرية لإضعاف الحراك الوطني، وإشغال المجتمع بصراعات جانبية تخدم بقاء السيطرة الإيرانية وتُضعف أي حالة نضالية موحدة.

الأحواز أولًا وفوق الجميع

إن معركة التحرير الوطني لا يمكن أن تنتصر إذا بقيت الولاءات الفرعية تتقدم على الهوية الوطنية الأحوازية الجامعة. فالأحواز ليست مجرد جغرافيا، بل هي الوطن والهوية والقضية والمصير المشترك، ولذلك يجب أن تكون فوق الطائفة والمنطقة والقبيلة والانتماءات الضيقة كافة.

إن الانتماءات الاجتماعية والعشائرية والدينية تبقى جزءًا طبيعيًا من المجتمع، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى أدوات لتقسيم الصف الوطني أو لإضعاف مشروع التحرير. فحين تصبح الأحواز أولًا، تتوحد الطاقات والإمكانات في معركة الحرية والاستقلال، أما حين تتقدم الولاءات الضيقة على الولاء الوطني، فإن الاحتلال يجد الطريق مفتوحًا لإدامة سيطرته وتعميق الانقسامات.

ولهذا، فإن نجاح المشروع الوطني الأحوازي يتطلب ترسيخ مبادئ واضحة تقوم على:

  • الأحواز هي الهوية الوطنية الجامعة.
  • الأحواز فوق الطائفة والمنطقة والقبيلة.
  • وحدة الشعب الأحوازي أساس معركة التحرير.
  • رفض التحريض الطائفي والمناطقي والقبلي.
  • مواجهة مشاريع الاحتلال الهادفة إلى تقسيم المجتمع.
  • تقديم المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة.

خاتمة

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تنقسم على نفسها تمنح الاحتلال فرصة لإدامة سيطرته، بينما تستطيع الشعوب الموحدة حول مشروع وطني جامع أن تواجه أقوى الاحتلالات وأكثرها بطشًا.

إن الطائفية والمناطقية والقبلية حين تُستخدم سياسيًا تتحول إلى أدوات خطيرة بيد الاحتلال الإيراني لضرب وحدة الشعب الأحوازي وإضعاف نضاله التحرري. كما أن تقسيم الولاءات داخل المجتمع الواحد يمثل تهديدًا مباشرًا لأي مشروع وطني، لأنه ينقل الصراع من مواجهة الاحتلال إلى صراعات داخلية تستنزف المجتمع وتخدم المحتل.

ومن هنا، فإن ترسيخ مبدأ “الأحواز أولًا وفوق الجميع” لا يمثل مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وطنية واستراتيجية في معركة التحرير، لأن وحدة الشعب الأحوازي تبقى السلاح الأقوى في مواجهة الاحتلال الإيراني وتحقيق الحرية والاستقلال دون نكران التنوع القبلي و الطائفي و الخصوصية المناطقية و حتى العائلية و خصوصية الفرد و احترام التنوع و الاختلاف .

ابو شريف الاحوازي

المركز الإعلامي للثورة الاحوازية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى