الشأن الأحوازي

عندما يقف المناضلون أمام الخيارات الصعبة: بين الأحوازية والإيرانية

في مسيرة الشعوب نحو الحرية، لا تكون المعركة دائمًا في الميدان وحده، بل كثيرًا ما تتجلى في الوعي والهوية والاختيار. ويجد المناضل الأحوازي نفسه، في لحظات مفصلية، أمام سؤال بالغ التعقيد: هل ينخرط في مشروع “إيراني” أوسع يُقدَّم بوصفه معارضة للنظام، أم يتمسك بثوابته الوطنية الأحوازية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى نيل حقوقه المشروعة وتقرير مصيره؟

هذا السؤال ليس نظريًا، بل هو امتحان حقيقي للوعي السياسي والالتزام الوطني. فالنضال الأحوازي، الممتد لعقود، تأسس على قاعدة واضحة مفادها أن شعب الأحواز تعرض للاحتلال الإيراني منذ نيسان/أبريل عام 1925، وأن قضيته هي قضية شعب يسعى للتحرر واستعادة حقوقه المشروعة وفقًا لمبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.

غير أن التحولات الإقليمية والدولية، وتعدد أطراف المعارضة داخل إيران، أدت إلى بروز مشاريع تحاول إعادة تعريف هذا النضال ضمن إطار “إيراني” عام، يُختزل فيه صوت الشعوب غير الفارسية، ويُطلب منها أن تذيب مطالبها الخاصة في خطاب مركزي موحّد. وهنا تتعقد الخيارات أمام المناضل: هل يساير هذا الخطاب على أمل التغيير، أم يحافظ على استقلالية قضيته وهويته السياسية؟

إن التجربة التاريخية تشير إلى أن القضايا التي تفقد استقلاليتها في الخطاب والرؤية، غالبًا ما تُهمَّش لاحقًا عند إعادة ترتيب موازين القوى. فالتنازل عن الثوابت تحت ضغط “المرحلة” قد يؤدي إلى ضياع البوصلة، ويحوّل النضال من مشروع واضح المعالم إلى جزء هامشي في صراع لا يعبّر بالضرورة عن تطلعات الشعب الأحوازي.

ومن أخطر التحديات التي برزت في هذا السياق، انخراط بعض أبناء القضية الأحوازية في تيارات إيرانية متناقضة فيما بينها، بحيث يصبح قرارهم السياسي متأثرًا، بل وموجّهًا، وفق الجهة التي يتحالفون معها. فهناك من ينخرط في التيارات اليسارية، وآخرون مع الملكيين، وغيرهم مع الجمهوريين أو مع جماعات أخرى كـ“مجاهدي خلق”، ولكل من هذه التيارات رؤيته وصراعاته وأجندته الخاصة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: إذ ينتقل صراع هذه التيارات وتنافسها إلى داخل البيت الأحوازي نفسه، فينعكس سلبًا على وحدة الصف، ويحوّل الخلاف الخارجي إلى انقسام داخلي. وبدل أن يسعى الأحوازيون إلى استثمار التناقضات بين هذه التيارات لصالح قضيتهم، نجد بعضهم ينخرط في صراعات جانبية، دفاعًا عن هذا الطرف أو ذاك، سعيًا لإثبات الولاء للحليف، في توقيت قد يخدم أجندات خارجية أكثر مما يخدم القضية الوطنية.

إن هذا المسار لا يؤدي إلا إلى تشتيت الجهود، وإضعاف الخطاب الوطني المستقل، وخلق حالة من الاستقطاب داخل الصف الأحوازي، حيث تصبح الأولوية للصراع البيني بدل توحيد الجهود نحو الهدف المشترك.

في المقابل، فإن التمسك بالهوية الأحوازية لا يعني الانعزال أو رفض التعاون، بل يفتح المجال لبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف المتكافئ. فالتنسيق مع قوى أخرى يمكن أن يكون عامل قوة، شريطة أن يتم دون المساس بجوهر القضية أو إعادة تعريفها بما يخالف إرادة أصحابها.

إن المناضل الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرته على المواجهة، بل بقدرته على التمييز بين التحالف والتبعية، وبين التكتيك والاستراتيجية. فهناك فرق بين الانخراط الواعي في مساحات مشتركة، وبين الذوبان في مشاريع تلغي الخصوصية الوطنية.

وعليه، فإن الخيار الذي يواجه المناضلين اليوم ليس بين طريقين متساويين، بل بين مسارين مختلفين في الجوهر:
مسار يحافظ على استقلالية القرار الوطني، ويستند إلى هوية واضحة وأهداف محددة،
ومسار آخر قد يبدو أقصر أو أسهل، لكنه يحمل في طياته مخاطر التهميش وإعادة إنتاج الإقصاء والانقسام الداخلي.

في نهاية المطاف، تبقى الأحوازية، بوصفها تعبيرًا عن هوية شعب وتاريخه ونضاله، ليست مجرد خيار عاطفي، بل هي إطار سياسي وحقوقي يعكس إرادة جماعية لا يمكن اختزالها أو تجاوزها. وأي نضال لا ينطلق من هذه الحقيقة، يظل عرضة للانحراف أو الاحتواء.

إن الحفاظ على وضوح البوصلة ووحدة الصف هو التحدي الأكبر، وهو أيضًا الضمانة الوحيدة لأن تبقى القضية حيّة، متماسكة، وقادرة على تحقيق أهدافها في عالم لا يعترف إلا بمن يعرف ماذا يريد، وكيف يدافع عنه.

خالد محمد الأحوازي
لجنة التعبئة و التنظيم

جذش

٣/٥/٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى