الشأن الأحوازي

يوم الشهيد الأحوازي ذاكرة شعب يقاوم منذ قرن

في الثالث عشر من يونيو من كل عام، يحيي أبناء الشعب العربي الأحوازي ذكرى “يوم الشهيد الأحوازي”، وهو يوم يحمل مكانة خاصة في الوجدان الوطني الأحوازي، لأنه يرتبط بتاريخ طويل من التضحيات والمقاومة ضد الاحتلال الإيراني وسياسات القمع التي استهدفت الإنسان والأرض والهوية العربية في الأحواز.

هذا اليوم لا يمثل مجرد مناسبة رمزية أو حدثًا عاطفيًا عابرًا، بل يعد جزءًا من الذاكرة الجماعية لشعب عاش لعقود تحت ظروف سياسية وأمنية قاسية. ففي كل عام، يستعيد الأحوازيون أسماء الشهداء الذين فقدوا حياتهم خلال المواجهات والاعتقالات والإعدامات والاغتيالات التي طالت النشطاء السياسيين والثقافيين والمدنيين منذ احتلال الأحواز عام 1925 وحتى اليوم.

بدأت معاناة الشعب العربي الأحوازي منذ سقوط الدولة العربية الأحوازية بقيادة الشيخ خزعل الكعبي بعد التدخل العسكري الإيراني المدعوم بغطاء دولي آنذاك. ومنذ ذلك التاريخ، دخلت الأحواز مرحلة جديدة اتسمت بسياسات التهميش والإقصاء ومحاولات تغيير الهوية العربية للمنطقة. عملت السلطات احتلال الإيرانية على فرض سياسة التفريس، ومنعت استخدام اللغة العربية في كثير من المجالات، وغيّرت أسماء المدن والقرى العربية، وسعت إلى تغيير التركيبة السكانية عبر نقل السكان وبناء المستوطنات.

في ظل هذه السياسات، ظهرت حركات سياسية وثقافية عديدة طالبت بحقوق الشعب الأحوازي. كثير من النشطاء تعرضوا للاعتقال والتعذيب والإعدام. بعضهم اختفى قسرًا، وآخرون أُعدموا بعد محاكمات وصفتها منظمات حقوقية بأنها تفتقر إلى العدالة والشفافية. ولهذا أصبح “يوم الشهيد الأحوازي” مناسبة لتخليد ذكرى كل من فقد حياته بسبب تمسكه بهويته وقضيته الوطنية.

الشهداء في الوعي الأحوازي ليسوا مجرد أرقام أو صور تُرفع في المناسبات. كل شهيد يمثل قصة عائلة فقدت ابنًا أو أبًا أو أخًا بسبب موقف سياسي أو نشاط ثقافي أو حتى مشاركة في احتجاجات شعبية. كثير من هؤلاء كانوا طلابًا أو شعراء أو معلمين أو ناشطين مدنيين. لكنهم تحولوا مع الوقت إلى رموز وطنية تعبر عن استمرار المقاومة ورفض الاستسلام.

خلال العقود الماضية، شهدت الأحواز موجات احتجاج متكررة بسبب التمييز والفقر والبطالة ومصادرة الأراضي والتلوث البيئي وتجفيف الأنهار. ورغم أن الأحواز تعد من أغنى المناطق بالنفط والغاز، فإن السكان العرب يعانون من أوضاع معيشية صعبة، بينما تُستخدم ثروات الإقليم لخدمة السلطة المركزية. هذا الواقع خلق حالة غضب شعبي دفعت كثيرًا من الشباب الأحوازي إلى الانخراط في النشاط السياسي والحقوقي، رغم المخاطر الأمنية الكبيرة.

في كل ذكرى ليوم الشهيد، تنظم الجاليات الأحوازية في الخارج فعاليات ومسيرات لإحياء المناسبة. تُرفع صور الشهداء والأعلام الأحوازية وتُلقى الكلمات التي تتحدث عن معاناة الشعب الأحوازي وحقه في الحرية وتقرير المصير. كما تشهد بعض المدن الأوروبية والعربية وقفات احتجاجية أمام المؤسسات الدولية للمطالبة بفتح ملفات الإعدامات والانتهاكات في الأحواز.

أما داخل الأحواز، فتأخذ المناسبة طابعًا مختلفًا بسبب الرقابة الأمنية المشددة. ورغم ذلك، يحرص كثير من الأهالي على زيارة قبور الشهداء أو نشر صورهم وأسمائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. بعض العائلات تتعرض للاستدعاء والتهديد لمنعها من إقامة مراسم التأبين، لكن ذلك لم يمنع استمرار إحياء الذكرى عامًا بعد عام.

يرى الأحوازيون أن سياسة الإعدامات والاعتقالات لم تنجح في إنهاء القضية، بل ساهمت في زيادة الشعور الوطني لدى الأجيال الجديدة. فكل حملة قمع تخلق حالة تضامن أوسع، وتجعل أسماء الشهداء أكثر حضورًا في الوعي الشعبي. ولهذا أصبح “يوم الشهيد الأحوازي” رمزًا للاستمرار والصمود، ورسالة تؤكد أن القضايا الوطنية لا تنتهي بالقوة الأمنية.

القضية الأحوازية ترتبط أيضًا بالسياق العربي والإقليمي. كثير من الأحوازيين يعتبرون أنفسهم جزءًا من الأمة العربية، ويرون أن ما يتعرضون له يتقاطع مع ملفات التدخلات الإيرانية في عدد من الدول العربية. لذلك تحمل هذه الذكرى رسائل سياسية تتجاوز الحدود المحلية، وتدعو إلى التضامن مع الشعوب التي تواجه مشاريع الهيمنة والتوسع.

ورغم التعتيم الإعلامي الذي يحيط بالقضية الأحوازية، فإن ذكرى يوم الشهيد ما زالت حاضرة بقوة بين أبناء الشعب الأحوازي في الداخل والمهجر. فالأغاني الوطنية والقصائد والشعارات والصور التي تُنشر في هذه المناسبة تعكس حجم الارتباط بين الناس وتاريخهم النضالي.

يبقى “يوم الشهيد الأحوازي” شاهدًا على مرحلة طويلة من المواجهة بين شعب يسعى للحفاظ على هويته وحقوقه، وسلطة تحاول فرض واقع جديد بالقوة. وتبقى أسماء الشهداء جزءًا من ذاكرة الأحواز، يرددها الناس جيلاً بعد جيل باعتبارها عنوانًا للتضحية والكرامة الوطنية.

محمد ويسي الأحوازي
24.05.2026

المركز الإعلامي للثورة الأحوازية
https://adpf.org
https://t.me/adpf25

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى