دولة الكويت ومقاومة الصمود أمام العدوان الإيراني

مقدمة

تشكل دولة الكويت نموذجاً بارزاً في تاريخ المقاومة العربية للصمود أمام محاولات الهيمنة والتوسع و العدوان الإيراني بموقفها القومی العربی . فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، و استلام الملالی دفت الحکم واجهت الكويت سلسلة متواصلة من الضغوط والاعتداءات العسكرية وغير العسكرية، سواء خلال حرب الناقلات في الثمانينيات أو في موجة العدوان الصاروخي والمسيّر التي اندلعت منذ أواخر فبراير 2026. يعكس هذا الصمود قدرة دولة بجغرافية صغيرة وإرادة كبيرة وقيادة حكيمة على تحويل التهديد الوجودي إلى فرصة لتعزيز سيادتها وتحالفاتها الدولية، مع الحفاظ على تماسكها الداخلي. يتناول هذا المقال الأكاديمي الأبعاد التاريخية والمعاصرة لهذا الصمود، محللاً الاستراتيجيات الكويتية وآثارها الجيوسياسية.
الخلفية التاريخية: العدوان الإيراني خلال حرب العراق وإيران وحرب الناقلات
بدأت جذور العداء الإيراني تجاه الكويت مع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988). بعد ان قدمت الكويت دعماً مالياً ولوجستياً كبيراً للعراق، فی موقف عربی ‌و قومی مشرف شمل قروضاً بمليارات الدولارات وتسهيل تصدير النفط العراقي عبر موانئها. ردت إيران بتصعيد منهجي استهدف الاقتصاد الكويتي والسيادة الوطنية.
تمثلت أبرز مظاهر العدوان في «حرب الناقلات» (1984-1988)، حيث شنت البحرية الإيرانية والحرس الثوري هجمات متكررة على ناقلات النفط الكويتية والسفن المتجهة إلى موانئها. وصلت الأضرار إلى نحو 48 ناقلة كويتية بين أبريل 1986 و1987، مما هدد شريان الحياة الاقتصادي للدولة. كما استخدمت إيران صواريخ «سيلك وورم» من شبه جزيرة الفاو، ونشرت ألغاماً بحرية في المياه الكويتية، بما في ذلك ميناء الأحمدي.
ولم يقتصر العدوان على الجانب البحري. في ديسمبر 1983 نفذت مجموعات ارهابیة مدعومة إيرانياً (من بينها عناصر من حزب الله وتنظيم الدعوة العراقي) سلسلة تفجيرات منسقة استهدفت السفارة الأمريكية والفرنسية ومطار الكويت ومنشآت نفطية، مما أسفر عن قتلى وجرحى. عكست هذه العمليات استراتيجية إيرانية مزدوجة: معاقبة الكويت على دعمها للعراق، ومحاولة تصدير الثورة عبر تحريك مكونات شيعية داخلية.
استراتيجيات الصمود الكويتي في الثمانينيات
أظهرت الكويت قدرة عالية على التكيف الاستراتيجي. لجأت أولاً إلى الدبلوماسية الدولية، مطالبة مجلس الأمن والمجتمع الدولي بحماية حرية الملاحة. ثم طورت استراتيجية «إعادة رفع الأعلام» (Reflagging) عام 1987، حيث حولت ناقلاتها إلى أعلام أمريكية وسوفيتية، مما أدى إلى تدخل البحرية الأمريكية ضمن عملية «إرنست ويل» (Earnest Will). شكل هذا التدخل أحد أكبر العمليات البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، وأجبر إيران على حساب تكلفة أعلى للهجمات.
كما اعتمدت الكويت على التنسيق الخليجي والعربي، وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع القوى الكبرى. لم تنكسر الإرادة السياسية رغم الضغوط الاقتصادية والأمنية، بل تحولت الكويت إلى رمز للصمود الخليجي أمام التهديد الإيراني.
العدوان الإيراني المعاصر: موجة 2026
منذ 28 فبراير 2026، وفي سياق التصعيد الإقليمي و الحرب بين امريكا و اسرائيل من جانب و ايران و مليشياتها الإرهابية من جانب آخر المعروف بـ«حرب إيران 2026»، شنت إيران سلسلة هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت أهدافاً كويتية و اخرى تدعى أمريكية داخل الأراضي الكويتية. شملت الأهداف مطار الكويت الدولي (مرات متعددة، بما في ذلك محطة الركاب وخزانات الوقود والرادار)، قاعدة علي السالم الجوية، معسكر بويرنغ الأمريكي، مصفاة ميناء الأحمدي، محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، وناقلات نفط و كذلك المواقع الحدودية و النوافذ البرية .
أسفرت الهجمات عن سقوط عشرات الضحايا بين المدنيين والعسكريين الكويتيين والأمريكيين، وإصابات تجاوزت المئة، وأضرار جسيمة في البنية التحتية الحيوية. استمرت الهجمات بشكل متقطع حتى كتابة هذا المقال ، بما في ذلك غارة على جزيرة بوبيان ومحاولات استهداف قواعد عسكرية. أظهرت إيران نمطاً واضحاً من استخدام الوكلاء والطائرات المسيرة الرخيصة لضرب السيادة الكويتية مع محاولة خلق حالة من الردع غير المتكافئ.
مظاهر الصمود والمقاومة الكويتية الحالية
واجهت الكويت العدوان بأدوات متعددة المستويات:
• الدفاع الجوي النشط: نجحت الدفاعات الكويتية والحليفة في اعتراض عشرات الصواريخ والمسيّرات في موجات متتالية.
• الدبلوماسية الهجومية: أرسلت الكويت رسائل رسمية متكررة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، موثقة حجم العدوان ودعت إلى موقف دولي حاسم. كما نسقت مع دول الخليج والأردن في بيانات إدانة مشتركة.
• التماسك الداخلي: حافظت القيادة السياسية والمجتمع على وحدة الصف، مع إدانات رسمية قوية من الأمير ووزارة الخارجية والدفاع.
• الردع المحدود: ردت الكويت بعمليات محدودة ضد ميليشيات مدعومة إيرانياً في العراق، وأعلنت اعتقالات لشبكة مرتبطة بإيران داخل البلاد.
• الاعتماد على التحالفات: استفادت من الوجود الأمريكي والخليجي لتعزيز الدفاعات، مع الحفاظ على استقلال القرار السياسي.
تعكس هذه الاستراتيجيات استمرار النهج التاريخي: تحويل الواقع الجغرافي المحدود إلى قوة دبلوماسية وتحالفية، مع رفض الخضوع للابتزاز.
الدلالات الاستراتيجية
يكشف الصمود الكويتي عن طبيعة المشروع الإيراني التوسعي، الذي لا يقتصر على الحدود مع العراق أو الأحواز، بل يستهدف أمن الخليج بأكمله عبر مزيج من القوة الصلبة والوكلاء. تمثل الكويت، بحكم موقعها وثروتها النفطية، هدفاً استراتيجياً لإيران في محاولاتها فرض نفوذ إقليمي. في الوقت نفسه، أثبتت التجربة الكويتية أن الدولة التي تتمتع بجغرافية صغيرة وإرادة كبيرة وقيادة حكيمة قادرة على الصمود إذا امتلكت إرادة سياسية واضحة، ودعماً دولياً، وقدرة على توثيق العدوان وتحويله إلى ورقة ضغط قانوني وإعلامي.
يرتبط هذا الصمود ارتباطاً وثيقاً بأمن المنطقة العربية ككل. فالهجمات على الكويت ليست معزولة، بل جزء من نمط أوسع يستهدف الاستقرار الخليجي ويهدد حرية الملاحة والطاقة العالمية.
خاتمة
لقد سطرت دولة الكويت على مدى أكثر من أربعة عقود ملحمة صمود أمام العدوان الإيراني، سواء في حرب الناقلات أو في مواجهة المسيّرات والصواريخ عام 2026. لم يكن هذا الصمود مجرد دفاع عسكري، بل مشروعاً سياسياً واستراتيجياً قائماً على السيادة والتحالفات والتنسيق العربي. يبقى التحدي قائماً، إذ يتطلب استمرار العدوان الإيراني تعزيز المنظومة الدفاعية الخليجية المشتركة، وتفعيل الآليات الدولية لمحاسبة المعتدي، ودعم الإرادة الشعبية والرسمية في رفض الهيمنة. إن تجربة الكويت تؤكد أن الصمود ليس خياراً، بل ضرورة وجودية في مواجهة مشروع توسعي لا يعترف بحدود الجيران ولا بسيادتهم، وأن الدولة ذات الجغرافية الصغيرة والإرادة الكبيرة والقيادة الحكيمة قادرة دائماً على تحويل التحدي إلى مصدر قوة.

المركز الإعلامي للثورة الاحوازية
الجبهة الديمقراطية الشعبية الاحوازية
٢٣/٧/٢٠٢٦

Exit mobile version