الشأن الأحوازي

كذبة اسمها «إيران» و«الشعب الإيراني»

قراءة أكاديمية في نشأة الدولة الإيرانية الحديثة بين الاحتلال والضم القسري وإنكار التعدد القومي

مقدمة

تُقدَّم إيران في الخطاب السياسي الرسمي باعتبارها دولة قومية طبيعية تمثل «الشعب الإيراني» الواحد، غير أن القراءة التاريخية والسياسية العميقة تكشف أن هذا المفهوم بُني على رواية أيديولوجية أكثر مما استند إلى حقيقة قومية متجانسة.

فالدولة الإيرانية الحديثة لم تتشكل عبر عقد وطني حر بين شعوب اختارت طوعًا الانضواء تحت هوية سياسية واحدة، بل تشكلت تدريجيًا عبر الحروب والتوسع العسكري والضم القسري وإسقاط الكيانات السياسية المحلية، ثم إخضاع الشعوب غير الفارسية لسلطة مركزية هيمنت عليها النخبة الفارسية سياسيًا وثقافيًا وعسكريًا.

ومن هنا، فإن مفهوم «الشعب الإيراني» لا يعكس واقعًا قوميًا موحدًا بقدر ما يمثل مشروعًا سياسيًا هدفه صهر الشعوب المختلفة داخل هوية مركزية فارسية، حتى وإن كانت تلك الشعوب تمتلك لغاتها الخاصة وتاريخها القومي وخصوصيتها الثقافية والجغرافية.

إيران: من كيان إمبراطوري إلى مشروع قومي فارسي

حتى بدايات القرن العشرين، لم تكن إيران دولة قومية بالمعنى الحديث، بل كيانًا إمبراطوريًا متعدد القوميات والهويات. وكانت التسمية المتداولة دوليًا هي «بلاد فارس» (Persia)، إلى أن فرض رضا شاه بهلوي عام 1935 اسم «إيران» رسميًا ضمن مشروع سياسي وقومي جديد.

وقد ارتبط هذا المشروع بمحاولة بناء دولة مركزية تقوم على:

* مركزية الهوية الفارسية،

* توحيد اللغة والثقافة،

* إعادة كتابة التاريخ،

* وإنكار الهويات القومية غير الفارسية.

ومنذ ذلك الحين، بدأت عملية إعادة تعريف جميع الشعوب الواقعة داخل حدود الدولة باعتبارها جزءًا من «الأمة الإيرانية»، رغم اختلافها القومي والثقافي والتاريخي.

الدولة الإيرانية الحديثة والضم القسري

إن جزءًا كبيرًا من حدود الدولة الإيرانية الحالية لم يتشكل عبر إرادة الشعوب، بل عبر:

* الاحتلال العسكري،

* إسقاط الكيانات المحلية،

* التوسع الجغرافي بالقوة،

* وفرض السيطرة المركزية بالقمع.

وقد تعرضت شعوب عديدة لسياسات الدمج القسري، من بينها:

* العرب الأحوازيون،

* الكورد،

* البلوش،

* اتراك ازربايجان الجنوبية ،

* التركمان،

* ⁠الور 

* وغيرهم من الشعوب غير الفارسية.

ولذلك، فإن وصف جميع سكان إيران بأنهم «شعب واحد» يتجاهل واقع التعدد القومي واللغوي والثقافي القائم داخل الدولة.

الأحواز: النموذج الأوضح لطبيعة الدولة الإيرانية

تُعد الأحواز العربية واحدة من أبرز النماذج التي تكشف طبيعة تشكل الدولة الإيرانية الحديثة.

فالأحواز، الواقعة على الساحل الشرقي للخليج العربي، كانت تتمتع بكيان سياسي وإداري مستقل نسبيًا، خاصة خلال حكم الإمارة الكعبية التي اتخذت من مدينة المحمرة مركزًا سياسيًا لها.

وقد امتلكت الأحواز:

* إدارة عربية محلية،

* علاقات سياسية وإقليمية،

* سيطرة على موانئها وثرواتها،

* وخصوصية قومية وثقافية واضحة.

لكن في نيسان/أبريل 1925، أقدمت قوات رضا شاه بهلوي على إسقاط الحكم العربي واعتقال الشيخ خزعل الكعبي، في خطوة مثّلت بداية الاحتلال الإيراني المباشر للأحواز.

ولم يكن ضم الأحواز نتيجة استفتاء أو اتحاد طوعي، بل جاء عبر:

* التدخل العسكري،

* إسقاط السلطة المحلية بالقوة،

* فرض الإدارة الفارسية،

* والسيطرة على الثروات والموقع الاستراتيجي للإقليم.

ومنذ ذلك التاريخ، دخلت الأحواز مرحلة طويلة من القمع والتفريس ومحاولات طمس الهوية العربية.

التفريس وصناعة «الشعب الإيراني»

بعد تثبيت السيطرة على الأحواز وغيرها من المناطق غير الفارسية، بدأت الدولة الإيرانية بتنفيذ مشروع واسع لإعادة هندسة الهوية، قائم على:

* فرض اللغة الفارسية،

* محاربة اللغات الأم،

* تغيير أسماء المدن والمناطق،

* تهميش الشعوب غير الفارسية سياسيًا واقتصاديًا،

* إعادة كتابة التاريخ بما يخدم الرواية الرسمية،

* وتصوير جميع السكان باعتبارهم جزءًا من «الأمة الإيرانية».

وفي هذا السياق، تحول مفهوم «الشعب الإيراني» إلى أداة سياسية لدمج الشعوب المختلفة قسرًا داخل مشروع قومي فارسي، لا إلى تعبير طبيعي عن هوية وطنية جامعة قائمة على التوافق الحر.

إشكالية الدولة القومية في إيران

تقوم الدولة القومية الحديثة نظريًا على:

* هوية قومية مشتركة،

* ذاكرة تاريخية موحدة،

* لغة جامعة،

* وشعور جماعي بالانتماء.

غير أن هذه العناصر لا تنطبق بصورة كاملة على الحالة الإيرانية، بسبب:

* التعدد القومي العميق،

* الاختلافات اللغوية والثقافية،

* التباينات التاريخية،

* ووجود شعوب ترى نفسها قوميًا مستقلة عن الهوية الفارسية الرسمية.

ولهذا، ظهرت خلال العقود الماضية حركات قومية وثقافية تطالب بـ:

* الاعتراف بالتعدد القومي،

* الحقوق الثقافية واللغوية،

* الحكم الذاتي أو الفيدرالية،

* وحق تقرير المصير وفق القانون الدولي.

الأحواز والأهمية الجيوسياسية

لا يمكن فهم التمسك الإيراني بالأحواز دون فهم أهميتها الاستراتيجية الكبرى، فالإقليم يمثل:

* مركزًا رئيسيًا للنفط والغاز،

* منفذًا مهمًا على الخليج العربي،

* موقعًا قريبًا من مضيق هرمز،

* وواجهة بحرية حيوية تشمل الموانئ وجزيرة خرج ذات الأهمية النفطية الكبرى.

ولذلك، ارتبط الاحتلال الإيراني للأحواز منذ البداية بالأبعاد الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية، وليس فقط بالشعارات القومية التي رفعتها الدولة المركزية.

بين المواطنة والهوية القومية

تحاول الدولة الإيرانية الخلط بين:

* الجنسية الإيرانية،

    و

* الهوية القومية الإيرانية.

لكن حمل الجنسية لا يعني بالضرورة الانتماء القومي أو التخلي عن الهوية التاريخية والثقافية للشعوب المختلفة.

وقد أدى هذا الخلط إلى:

* اتساع الفجوة بين المركز والأطراف،

* تصاعد الاحتقان القومي،

* بروز حركات مقاومة ثقافية وسياسية،

* واستمرار الصراع حول الهوية والحقوق داخل الدولة.

خاتمة

تكشف دراسة نشأة الدولة الإيرانية الحديثة أن مفهوم «إيران» بوصفها دولة قومية موحدة، ووجود «شعب إيراني» واحد متجانس، يمثلان بناءً سياسيًا وأيديولوجيًا أكثر مما يعكسان واقعًا تاريخيًا وقوميًا حقيقيًا.

فالكثير من الشعوب الواقعة داخل حدود الدولة الحالية لم تُمنح حق الاختيار الحر، بل أُلحقت بالدولة عبر الاحتلال والضم القسري، ثم خضعت لسياسات التفريس والقمع وإنكار الهوية.

وتبقى الأحواز العربية واحدة من أوضح النماذج التي تكشف هذا التناقض التاريخي بين الرواية الرسمية الإيرانية وبين واقع الشعوب التي ما زالت ترى نفسها محتفظة بهويتها القومية وحقها في تقرير مستقبلها السياسي والثقافي وفق مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

المركز الإعلامي للثورة الاحوازية 

مسعود مزرعه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى