استقلالية القرار الأحوازي: بين سياسات صناعة الولاءات ومتطلبات بناء المشروع الوطني

بقلم: ابو عمر الكعبي الاحوازي

كاتب وباحث في الشأن الأحوازي

تتجاوز الصراعات السياسية المعاصرة حدود المواجهة العسكرية والمنافسة الدبلوماسية، لتشمل معركة أكثر عمقًا تتمثل في السيطرة على الإرادة السياسية للمجتمعات. فالقوة في عالم اليوم لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من أدوات عسكرية أو اقتصادية، وإنما أيضًا بقدرتها على التأثير في الوعي العام، وإعادة تشكيل النخب، وبناء شبكات من المصالح والولاءات تضمن استمرار نفوذها. ومن هنا، يغدو استقلال القرار الوطني أحد أهم معايير قوة أي مشروع سياسي يسعى إلى تمثيل شعبه والمحافظة على شرعيته.

في الفكر السياسي، لا يُعد استقلال القرار مرادفًا للعزلة أو القطيعة مع العالم، بل هو القدرة على صياغة الخيارات الوطنية انطلاقًا من مصالح المجتمع نفسه، مع الانفتاح على العلاقات الإقليمية والدولية دون الارتهان لها. فالحركات الوطنية التي تفقد استقلالية قرارها تفقد تدريجيًا ثقة جمهورها، بينما تكتسب المشروعات التي تحافظ على قرارها المستقل قدرة أكبر على الاستمرار والتكيف مع المتغيرات.

وفي المقابل، تمثل سياسات صناعة الولاءات إحدى الأدوات التقليدية المستخدمة في إدارة الصراعات السياسية. وتتنوع هذه السياسات بين استقطاب النخب، وبناء شبكات النفوذ، واستخدام الامتيازات الاقتصادية، والتأثير الإعلامي والثقافي، بما يفضي إلى إنتاج بيئة يصبح فيها الولاء للمصالح الضيقة مقدمًا على الولاء للمؤسسات أو للمصلحة العامة.

ولا تكمن الإشكالية في وجود الولاءات السياسية بحد ذاتها، فهي جزء طبيعي من أي مجتمع تعددي، وإنما في تحولها إلى أداة لإضعاف المؤسسات، واختزال القرار في أفراد أو دوائر محدودة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الشفافية، وإضعاف المساءلة، وإفقاد المشروع الوطني قدرته على تمثيل الإرادة الجماعية.

وفي الحالة الأحوازية، تكتسب استقلالية القرار أهمية مضاعفة، لأن أي مشروع وطني لا يستطيع اكتساب شرعية حقيقية ما لم يستمد قراره من المجتمع الأحوازي نفسه، ويجعل مصالحه وأولوياته المرجعية الأساسية في رسم السياسات. فالشرعية الشعبية ليست شعارًا، وإنما أساس الاستقرار السياسي، والضمانة الأولى لاستمرار أي مشروع وطني.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الضغوط السياسية، مهما بلغت شدتها، لا تنجح بالضرورة في إلغاء الهوية الوطنية أو إنهاء الإرادة الجماعية. ورغم التحديات التي يواجهها الأحوازيون، فإن التمسك بالهوية الوطنية والسعي إلى الحفاظ على استقلالية القرار ما زالا يشكلان، في نظر كثير من الفاعلين السياسيين، عنصرًا رئيسيًا في صمود المجتمع، وفي الحفاظ على حضور القضية في الوعي الوطني.

ولا يمكن الحديث عن استقلال القرار من دون بناء مؤسسات وطنية تتمتع بالشفافية والكفاءة والمساءلة. فالمؤسسات هي التي تحول دون احتكار القرار، وتمنع تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وتوفر إطارًا يسمح بإدارة الاختلاف السياسي ضمن قواعد واضحة. كما أن المجتمع الواعي، والإعلام المهني، ومؤسسات المجتمع المدني، تمثل جميعها ركائز أساسية لحماية القرار الوطني من الاختراق أو التوظيف.

حق تقرير المصير… المدخل إلى الاستقرار الحقيقي

إذا كان استقلال القرار هو الإطار الذي يحفظ للمشروع الوطني إرادته، فإن حق تقرير المصير يمثل الإطار القانوني والسياسي الذي يمنح تلك الإرادة معناها. ولذلك، فإن أي نقاش حول مستقبل إيران أو حول إعادة تشكيل بنيتها السياسية لا يمكن أن يحقق استقرارًا مستدامًا إذا اقتصر على تغيير الحكومات أو إعادة توزيع السلطة، من دون معالجة القضايا الوطنية التي بقيت محل خلاف لعقود.

ومن هذا المنطلق، يرى أنصار المشروع الوطني الأحوازي أن جوهر القضية لا يكمن في استبدال نظام سياسي بآخر، وإنما في مدى استعداد أي نظام جديد للاعتراف بحقوق الشعب العربي الأحوازي، والتعامل معها بوصفها جزءًا من أي تسوية سياسية عادلة. فالتغيير الذي يعيد إنتاج السياسات السابقة بأدوات جديدة قد يغيّر شكل السلطة، لكنه لا يعالج أسباب النزاع ولا يبني الثقة بين الدولة ومكوناتها.

ويستند هذا الطرح إلى أن حق الشعوب في تقرير مصيرها يعد من المبادئ الراسخة في القانون الدولي، وقد ورد في ميثاق الأمم المتحدة، كما أكدته المادة الأولى المشتركة في كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويستند أنصار القضية الأحوازية إلى هذه النصوص في طرحهم السياسي، معتبرين أن أي تسوية مستقبلية ينبغي أن تتضمن معالجة قانونية وسياسية لمطالب الشعب العربي الأحوازي، بما في ذلك ما يطرحونه بشأن حق تقرير المصير، وبالوسائل السلمية ووفق الأطر القانونية الدولية.

وبناءً على ذلك، فإن أي مشروع سياسي يقوم على الحفاظ على وحدة الدولة، دون فتح حوار جاد حول هذه المطالب، قد يواجه – من وجهة نظر أنصار هذا الطرح – تحديات تتعلق بالقبول المجتمعي والاستقرار السياسي. فنجاح أي تحول سياسي لا يُقاس بتغيير أسماء الحكومات، وإنما بقدرته على بناء عقد سياسي جديد يقوم على العدالة، والاعتراف بالحقوق، واحترام التعددية، وإيجاد آليات سلمية لمعالجة القضايا التاريخية.

إن استقلالية القرار الأحوازي، في هذا السياق، لا تنفصل عن حق المجتمع في التعبير عن مستقبله السياسي بحرية. فالقرار الوطني المستقل هو الضمانة التي تجعل أي حوار أو تسوية قائمين على الإرادة الحرة، لا على موازين القوة أو شبكات النفوذ. ومن ثم، فإن استقلال القرار وحق تقرير المصير، كما يطرحهما أنصار المشروع الوطني الأحوازي، يمثلان ركيزتين متكاملتين لأي رؤية تستهدف الوصول إلى سلام عادل واستقرار مستدام.

خاتمة

إن المشروع الوطني لا يقاس فقط بسلامة قضيته، وإنما أيضًا بقدرته على حماية استقلال قراره، وبناء مؤسسات تستمد شرعيتها من المجتمع الذي تمثله. فالقرار الوطني المستقل هو الضمانة الأساسية لعدم تحول القضية إلى رهينة للمصالح المتغيرة أو للتجاذبات الإقليمية والدولية.

ومن هنا، فإن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير الأنظمة أو إعادة تشكيل مراكز السلطة، بل بإرساء عقد سياسي يعترف بالحقوق، ويحتكم إلى العدالة، ويحترم إرادة الشعوب، ويعالج أسباب النزاعات من جذورها. وفي هذا الإطار، تظل استقلالية القرار الأحوازي، مقترنةً بما يطرحه أنصار القضية بشأن حق تقرير المصير وفق القانون الدولي، محورًا أساسيًا في رؤيتهم لبناء مشروع وطني يعبر عن تطلعات المجتمع الأحوازي، ويؤسس لمستقبل يقوم على الشرعية، والعدالة، و الاستقلال
والاستقرار.

المركز الإعلامي للثورة الاحوازية

Exit mobile version