بعد مرور أكثر من أربعة عقود على قيام ما يُسمّى بـ«الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979، لا يزال الشعب العربي الأحوازي يعيش تحت وطأة الاحتلال والتمييز والتهميش الممنهج. وبين الأمس واليوم، وبين وعود الخميني الكاذبة باسم «العدالة الإسلامية» ووعود المعارضة الفارسية الحالية باسم «الديمقراطية وحقوق الإنسان»، تتكرّر الخديعة ذاتها، وتُعاد صياغة مشروع السيطرة الفارسية على الشعوب غير الفارسية بعبارات مختلفة ومظهرٍ جديد، لكن الجوهر واحد: الهيمنة واستمرار الإنكار القومي.
أولًا: وعود الخميني عام 1979 — الخداع باسم الدين
قبل الإطاحة بنظام الشاه: وعود الخميني لاستقطاب الشعوب
قبل سقوط نظام الشاه عام 1979، أطلق الخميني سلسلةً من الوعود البراقة بهدف استقطاب الشعوب غير الفارسية وكسب دعمها في ما سُمّي آنذاك بـ”الثورة الإسلامية”.
فقد وعد العرب الأحوازيين والأكراد والبلوش والأتراك الأذربيجانيين الجنوبيين وغيرهم بـ”العدالة”، و”المساواة بين المسلمين”، و”احترام الخصوصيات القومية والثقافية”، بل تحدث صراحةً عن منح هذه الشعوب حقوقها في إطار نظامٍ إسلاميٍ عادل.
لكن ما إن استقرّ نظامه حتى انكشفت الحقيقة سريعًا: إذ تحوّلت تلك الوعود إلى أدواتٍ مؤقتةٍ للخداع السياسي، الهدف منها إسقاط الشاه لا أكثر. وبعد استيلائه على السلطة، استبدل الخميني لغة “الحقوق” بلغة “الولاء”، وبدأت حملات القمع والاعتقال والإعدام بحق الشعوب التي صدّقت وعوده، وفي مقدمتها الشعب العربي الأحوازي.
لقد كانت تلك المرحلة أول برهانٍ على أن النظام الجديد لم يكن إلا استمراريةً للمشروع الفارسي الاستعماري، وإن تغيّر لباسه من التاج إلى العمامة، ومن “القومية الإيرانية” إلى “الثورة الإسلامية”.
مجزرة الأربعاء الأسود في المحمرة — أولى جرائم الخميني في الأحواز المحتلة
بعد أشهرٍ قليلةٍ من سقوط نظام الشاه، ارتكب النظام الجديد بقيادة الخميني مجزرة الأربعاء الأسود في مدينة المحمرة عام 1979، والتي تُعدّ أولى جرائم «الثورة الإسلامية» ضد الشعب العربي الأحوازي.
ففي ذلك اليوم الدموي، اقتحمت قوات «الحرس الثوري» و«اللجان الثورية» المدينة بالأسلحة الثقيلة، وأطلقت النار عشوائيًا على الأهالي العزّل الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة في اللغة والهوية والإدارة الذاتية.
أسفرت المجزرة عن مئات الشهداء والجرحى، وتحوّلت المحمرة إلى رمزٍ للبطش الذي أسّس عليه النظام الفارسي الجديد وجوده في الأحواز.
لقد كانت تلك المجزرة الرد العملي الأول على وعود الخميني الكاذبة، ورسالة واضحة مفادها أن ما تغيّر هو الشكل لا الجوهر — فالمحتل نفسه، والعقلية نفسها، لكن بلباسٍ ديني جديد.
ثانيًا: المعارضة الفارسية عام 2025 — الخداع باسم الديمقراطية و حقوق الانسان
اليوم، وبعد أكثر من 45 عامًا، يظهر مشهدٌ جديد يحمل الوعود نفسها ولكن بلغةٍ مختلفة. فالمعارضة الفارسية التي تقدّم نفسها للعالم على أنّها “بديل ديمقراطي” للنظام الإيراني، تتحدث عن “إيران موحّدة”، و”الحرية لجميع الإيرانيين”، و”العدالة والمساواة”، لكنها تتجاهل عمدًا الأساس الحقيقي للمأساة: الاحتلال الفارسي للشعوب غير الفارسية.
هذه المعارضة، بمختلف تياراتها — من الملكيين إلى الجمهوريين، ومن الإصلاحيين السابقين إلى الليبراليين الجدد — تتفق جميعها على رفض حق تقرير المصير للشعوب مثل الأحواز، وكردستان، وبلوشستان، وتركمانستان الجنوبية، والأتراك الأذربيجانيين الجنوبيين.
إنها تتبنّى خطابًا استعماريًا ناعمًا يهدف إلى إعادة إنتاج نفس المركزية الفارسية، ولكن هذه المرّة تحت شعارات “الحرية والديمقراطية”، في محاولة لتجميل وجه الدولة الفارسية المهيمنة.
ثالثًا: وحدة الهدف واختلاف الأقنعة
بين عام 1979 وعام 2025، لم يتغيّر شيء في جوهر المشروع الفارسي. فقد تبدّلت الشعارات من “الثورة الإسلامية” إلى “الثورة الديمقراطية”، ومن “ولاية الفقيه” إلى “جمهورية مدنية”، لكن النتيجة واحدة:
• نفي هوية الشعوب غير الفارسية.
• رفض الاعتراف بالاحتلال التاريخي للأحواز وبقية الأقاليم.
• التمسّك القسري بوحدةٍ مصطنعةٍ تحت راية إيران.
كلا النظامين — الحاكم والمعارض — يريان في أي حديث عن تقرير المصير “خطرًا على وحدة البلاد”، وكأنّ الوحدة المفروضة بالقوة هي قيمة سامية تتجاوز الحرية والعدالة وحق الشعوب في الوجود.
رابعًا: الموقف الأحوازي — وضوح في الرؤية وثبات في المبدأ
أثبتت التجربة أنّ الشعب العربي الأحوازي، رغم كل القمع والإعدامات والتهجير، لم ينخدع بشعارات طهران القديمة ولا بشعارات المعارضة الجديدة. فالمطلب الجوهري للشعب الأحوازي لم يكن يومًا تغيير نظام بآخر، بل إنهاء الاحتلال الفارسي بكل أشكاله، وإقامة دولةٍ وطنيةٍ مستقلةٍ على أرض الأحواز، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية وسائر القوى الوطنية تؤكد أن القضية الأحوازية ليست شأنًا داخليًا إيرانيًا، بل قضية تحرّر وطني من استعمارٍ تاريخي، وأنّ أيّ معارضة تتجاهل هذا الحق هي مجرّد استمرارٍ للنهج الاستعماري القديم بوسائل جديدة.
وفي الأخير
بين وعود الخميني عام 1979 ووعود المعارضة الفارسية عام 2025، يقف الشعب الأحوازي اليوم أكثر وعيًا وصلابةً من أيّ وقتٍ مضى. فقد أدرك أنّ لا خلاص في ظلّ “إيران واحدة”، ولا حرية تُمنح من المحتل، بل تُنتزع بنضالٍ مستمرّ وتضحيةٍ واعية.
إنّ الحرية الحقيقية للأحواز لن تأتي من طهران ولا من معارضيها، بل من إرادة أبنائها ووحدتهم الوطنية في مواجهة كلّ أشكال الاحتلال والخداع.
صلاح أبو شريف الأحوازي
الأمين العام للجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية
٢٧/١٠/٢٠٢٥
