الشأن الأحوازي

حركة التحرر الأحوازية والواجب الوطني المطلوب

مقدمة

تمر القضية الأحوازية بمرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخها المعاصر، تتزامن مع تحولات عميقة تشهدها منطقة الشرق الأوسط وإيران على وجه الخصوص. فقد كشفت المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة عن حجم التصدعات التي تعاني منها المنظومة الإيرانية، وأظهرت أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية والاستراتيجية.

ورغم أن هذه الحرب انتهت إلى تهدئة مؤقتة، فإن أسباب الصراع الأساسية لا تزال قائمة، مما يجعل احتمالات عودة التوتر والمواجهة أمراً وارداً في المستقبل. كما أن نتائج الحرب تركت آثاراً مباشرة على الداخل الإيراني، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية، وأعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة الإيرانية وقدرتها على الاستمرار في إدارة أزماتها المتراكمة.

وفي الوقت نفسه، تستمر الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الإيراني في البحث عن سبل تحقيق تطلعاتها الوطنية المشروعة، في ظل محاولات متواصلة من النظام الإيراني وبعض التيارات الفارسية المعارضة لاحتواء مطالبها أو اختزالها في مشاريع إصلاحية لا تمس جوهر القضية الوطنية.

ومن هنا تبرز أهمية تحديد الواجب الوطني المطلوب من الحركة الوطنية الأحوازية في هذه المرحلة، بما يضمن الاستفادة من المتغيرات الإقليمية والدولية دون الوقوع في أوهام الرهان على الخارج أو الانجرار وراء مشاريع لا تنسجم مع أهداف الشعب العربي الأحوازي في الحرية والتحرير والاستقلال.

أولاً: طبيعة المرحلة الراهنة

تتميز المرحلة الحالية بمجموعة من المتغيرات المهمة التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مستقبل القضية الأحوازية، من أبرزها:

  • استمرار الأزمة الاقتصادية والسياسية داخل إيران.
  • تصاعد حالة التذمر الشعبي واتساع فجوة الثقة بين المجتمع والنظام الحاكم.
  • تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وما نتج عنها من استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري.
  • إعادة رسم بعض التحالفات والتوازنات الإقليمية.
  • تنامي الاهتمام الدولي بأمن الطاقة والممرات البحرية التي تشكل الأحواز جزءاً أساسياً منها.
  • تزايد نشاط الشعوب غير الفارسية المطالبة بحقوقها الوطنية.

إن هذه المتغيرات تخلق فرصاً جديدة أمام الحركة الوطنية الأحوازية، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات كبيرة تتطلب رؤية استراتيجية واضحة وقدرة على التعامل مع التطورات بوعي ومسؤولية.

ثانياً: الثوابت الوطنية وعدم الانحراف عن البوصلة

في فترات التحولات الكبرى تزداد محاولات التأثير على حركات التحرر الوطنية ودفعها نحو مسارات تخدم أجندات خارجية أو داخلية لا تتوافق مع أهدافها الأصلية.

ولذلك فإن الواجب الوطني يفرض على الحركة التحررية الأحوازية التمسك بثوابتها الأساسية:

  • الاعتراف بالأحواز وطناً عربياً محتلاً.
  • رفض شرعية الاحتلال الإيراني بكافة أشكاله.
  • التمسك بحق الشعب العربي الأحوازي في تقرير مصيره.
  • اعتبار الحرية والتحرير والاستقلال الهدف الاستراتيجي النهائي للنضال الوطني.

إن أي مشروع سياسي لا يعترف بهذه المبادئ أو يحاول استبدالها بشعارات إصلاحية أو حلول جزئية لا يمكن أن يشكل بديلاً للمشروع الوطني التحرري.

ثالثاً: مخاطر الرهان على الوعود الإيرانية

على امتداد عقود الاحتلال، استخدمت السلطات الإيرانية أساليب متعددة لاحتواء مطالب الشعوب غير الفارسية، من خلال تقديم وعود بالإصلاح أو التنمية أو تحسين الأوضاع الاقتصادية والثقافية.

إلا أن التجربة التاريخية أثبتت أن هذه الوعود لم تؤدِّ إلى معالجة جذور المشكلة، بل كانت تهدف في كثير من الأحيان إلى كسب الوقت وامتصاص الاحتقان الشعبي وإعادة إنتاج منظومة السيطرة ذاتها.

ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومات الإيرانية تتحدث عن التنمية والمساواة، استمرت سياسات التمييز القومي ومصادرة الأراضي والتغيير الديمغرافي والتهميش الاقتصادي والقمع الأمني بحق الشعب العربي الأحوازي.

ومن هنا فإن الرهان على إصلاح الاحتلال بدلاً من إنهائه يمثل خطأً استراتيجياً يتعارض مع جوهر المشروع الوطني الأحوازي.

رابعاً: التيارات الفارسية بين المعارضة والسلطة

رغم التباينات القائمة بين النظام الإيراني وبعض قوى المعارضة الفارسية، فإن كثيراً من هذه القوى لا تزال تنظر إلى الأحواز وبقية أوطان الشعوب غير الفارسية من منظور الدولة المركزية ذاتها.

فالصراع بين هذه الأطراف يدور غالباً حول شكل النظام وآليات الحكم، وليس حول الاعتراف بحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو حقها في تقرير مصيرها.

ولهذا ينبغي للحركة الوطنية الأحوازية أن تميز بين أي تعاون سياسي مرحلي يخدم القضية الوطنية وبين الذوبان في مشاريع لا تعترف بالحقوق الوطنية للشعب الأحوازي.

كما يجب عدم السماح بتحويل القضية الأحوازية إلى مجرد ملف تابع للصراعات الداخلية الفارسية، لأن جوهر القضية يبقى قضية تحرر وطني من الاحتلال.

خامساً: الوحدة الوطنية وبناء القوة الذاتية

إن التجارب التاريخية لحركات التحرر تؤكد أن العامل الحاسم في تحقيق الأهداف الوطنية هو امتلاك القوة الذاتية المنظمة.

وتتطلب هذه المهمة:

  • تعزيز الوحدة الوطنية بين مختلف القوى السياسية.
  • تطوير المؤسسات الوطنية.
  • بناء خطاب سياسي موحد.
  • الاستثمار في الإعلام الوطني.
  • إعداد كوادر شابة مؤهلة لقيادة المراحل المقبلة.
  • توثيق الانتهاكات وفضح سياسات الاحتلال أمام المجتمع الدولي.

إن بناء القوة الوطنية الشاملة هو الضمانة الحقيقية لاستثمار أي تغير إقليمي أو دولي لصالح القضية الأحوازية.

سادساً: الواجب الوطني في المرحلة المقبلة

تفرض المرحلة الراهنة على جميع القوى الوطنية الأحوازية جملة من المسؤوليات الأساسية:

  1. الحفاظ على وحدة الصف الوطني.
  2. تعزيز الهوية العربية الأحوازية.
  3. دعم صمود أبناء الشعب في الداخل.
  4. مواجهة مشاريع الاحتواء والتذويب السياسي.
  5. تطوير العلاقات مع الشعوب والقوى الداعمة للحرية.
  6. الحفاظ على استقلالية القرار الوطني الأحوازي.
  7. الاستفادة من المتغيرات الإقليمية والدولية دون الارتهان لها.
  8. مواصلة النضال السياسي والإعلامي والحقوقي حتى تحقيق أهداف الشعب الوطنية.
    و في الأخير
    تؤكد التجارب التاريخية أن التحولات الكبرى والحروب الإقليمية قد تفتح نوافذ وفرصاً أمام الشعوب الساعية إلى الحرية، لكنها لا تصنع التحرير بحد ذاتها. فالحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة الشعوب ووحدة صفوفها وتمسكها بأهدافها الوطنية.

ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام حركة التحرر الأحوازية لا يكمن فقط في مواجهة الاحتلال الإيراني، بل أيضاً في الحفاظ على وضوح الرؤية الوطنية وعدم الانحراف عن الهدف المركزي للنضال.

إن الحرية والتحرير والاستقلال ستبقى البوصلة التي يجب أن توجه عمل الحركة الوطنية الأحوازية في كل الظروف والمتغيرات، حتى يستعيد الشعب العربي الأحوازي حقه الكامل في السيادة على أرضه ووطنه ومستقبله.
المركز الإعلامي للثورة الاحوازية

جدش

٢٠/٦/٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى